Main menu
Second Menu

تشخيص الضجر الفرنسيّ من الإسلام والمسلمين

عبد الرزاق قيراط *
عندما يتصاعد الجدل في فرنسا بخصوص قضيّة أو شخصيّة إسلاميّة فاعلم أنّ موعدا انتخابيّا قد اقترب. فلا طعم للسباق الانتخابيّ هناك، برلمانيّا كان أو رئاسيّا أو حتّى تمهيديّا إلاّ بإثارة الضجيج عن الإسلام والمسلمين على نحو يذكّر بقولة الشاعر الفرنسيّ لامارتين:” فرنسا أمّة أصيبت بالضجر”. والضجر القديم المتجدّد الذي صار حالة مرضيّة مثيرة للانتباه، يتصل بطارق رمضان، البروفيسور الإسلاميّ المعروف، والمواطن السويسريّ الذي يحلو لخصومه أن يذكّروا الناس بأنّه من أصل مصريّ وأنّه بالخصوص حفيد الإمام حسن البنّا، مؤسّس حركة الإخوان المسلمين. فلا تستقيم شيطنة الرجل إلاّ بالتأكيد على تلك الأصول مع تجاهل إشعاعه العالميّ بوصفه مفكّرا ذا إنتاج بحثيّ غزير، وأكاديميّا زائرا في عدد من الجامعات المرموقة حول العالم، وخبيرا مستشارا لدى البرلمان الأوروبي والخارجيّة البريطانيّة، وصاحبَ جهود وافرة في مجال الحوار بين الأديان والثقافات… وهو على الجملة، من أهمّ القيادات الإسلامية ومن أكثر الشخصيات المؤثرة في أوروبا، ولذلك فهو يزعج فرنسا، ويرعب تشكيلاتها السياسيّة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فرجال السياسة هناك قد يختلفون في كلّ شيء، إلاّ في خوفهم من “الخطير” طارق رمضان، حيث يتّفقون في العمل على ترويع الفرنسيّين من حضوره وخطابه، ويطالبون عادة بإقصائه عن المنابر الإعلاميّة والثقافيّة التي يدعى إليها.
حملة مبكّرة
لقد بدأ الجدل الانتخابيّ المتعلّق بمنصب الرئاسة الفرنسيّة مبكّرا بدخول طارق رمضان على خطّ حملاتها التمهيديّة من دون أن يكون له رغبة في ذلك لا من قريب ولا من بعيد. وإنّما حُشر اسمه عنوة في التراشق السياسيّ بعد أن شارك مؤخّرا في منتدى بمدينة “بوردو” حيث ألقى محاضرة عنوانها “مفاتيح التعايش”.. ولأنّ عمدة “بوردو” هو ألان جوبي المرشّح للانتخابات الرئاسيّة المقبلة، فقد سعى لمنع رمضان من دخول مدينته، وقال لوسائل الإعلام “إنّ طارق رمضان غير مرحّب به هنا”، لكنّ ذلك الموقف لم يشفع له عند خصومه من أنصار ساركوزي تحديدا، حيث اعتبروا حضور رمضان رغم أنف جوبي، مؤشّرا على ضعف شخصيّته وعدم أهليّتها لقيادة الوطن الكبير بعد أن فشلت في قيادة الموطن الصغير. وبالفعل، شارك رمضان في المنتدى، ووجد في قصر المؤتمرات حفاوة بالغة، وإقبالا كبيرا من المسلمين والمسيحيّين وحتّى من الجالية اليهوديّة يتقدّمها المسؤول المحليّ لاتحاد اليهود الفرنسيين.
وفي مفتتح كلمته قال رمضان مستغربا: “مع كلّ موعد انتخابيّ، يعملون على شيطنتي لمصلحتهم!”. فالرجل سئم ذلك التعاطي البغيض مع تزايد أنشطته العلميّة والحواريّة في فرنسا، حيث يصاحبها سعي محموم من وزراء وعُمَد وأحزاب لمنعه من الوصول إلى الناس بأطروحاته وأفكاره.. وقد ردّ طارق رمضان مرارا على ذلك الموقف الرسميّ فقال لفرانس 24 في مناسبة مشابهة:” أتأسّف بأنّ الحكومة الفرنسية ترفض سماع ما أقوله منذ خمسة وعشرين عاما، لاسيما بشأن المواطنة… أقول للطبقة السياسيّة الفرنسيّة عامّة وللحكومة خاصّة إنّ الانتخابات الرئاسية ستنتهي، ولكنّ مسألة التعايش بين كلّ أطراف المجتمع الفرنسي ستظلّ مطروحة ولا هروب منها. السؤال المطروح: ما هو الخطاب الذي تريد الحكومة الفرنسيّة توجيهه للمسلمين؟ هل تقول لهم إنّكم لا تزالون أجانب في فرنسا بالرغم من أنّكم فرنسيّون لا لشيء إلاّ لأنّكم مسلمون؟”
علّة فرنسيّة
واللافت في أسئلة رمضان أنّه يريد معالجة العلّة الفرنسيّة في مجال تعامل الدولة مع مواطنيها المسلمين. وإصرارُه على ذلك التمشّي جلب له بعض الأنصار من المثقّفين الفرنسيّين، فدافعوا عنه في مقال صدر مؤخّرا بجريدة “لوموند” جاء فيه بالخصوص:” في بلد يخرج فيه الملايين للتظاهر دفاعا عن حريّة التعبير، يُمنع من الكلام طارق رمضان، الرجل الذي نعشق كُرهَه بلا مبرّر قانوني. وهذا يؤكّد أنّ للجمهوريّة مشكلة مع الإسلام.”
وطالب كتّاب المقال/العريضة في سياق دفاعهم بتجاوز القوالب البالية التي تتّهم رمضان بازدواجيّة الخطاب ومناصرة الإخوان المسلمين، ومعاداة الساميّة، والانتباه في المقابل إلى الدور الإيجابيّ الذي يقوم به عندما يخاطب المسلمين الأوروبيّين، فيطالبهم بالكفّ عن لعب دور الضحيّة، ويقدّم لهم دروسا بليغة في مجال التعايش والاندماج. وتأييدا لذلك، نقرأ لرمضان قوله: ” ليس لدينا أيّ مشكلة كمسلمين أن نكون مواطنين أوروبيين، فأنا مواطن سويسري مسلم كما آخرون فرنسيّون مسلمون… إنّ الإسلام ديانة فرنسيّة وإنّنا نريد العيش معا جميعا. وعلى الحكومة الفرنسية أنْ تسمع هذا الخطاب وأنْ تتبنى هذا النهج لأنّه الوحيد الذي يؤمّن السلم المدني والاجتماعي.”
لكنّ الحكومة الفرنسيّة لا تريد الاستماع إلى طارق رمضان بقدر ما تفضّل استعماله سياسيّا، وتصرّ على منعه من دخول جامعاتها محاضرا، والحدّ من تنقّله بين مدنها داعيا ومحاورا. وقد ساهم معهد العالم العربيّ بباريس، المؤسّسة التي ترعى الحوار بين الثقافات في إقصائه ويا للمفارقة!… في حين ألغت الولايات المتحدة الأمريكيّة حظرا فُرض على (حفيد البنّا) في عهد بوش. فرحّبت به أستاذا زائرا في إطار رؤية جديدة ترغّب في “استقبال جامعيّين مسلمين للحوار مع ديانات أخرى”، انسجاما مع سياسة اليد الممدودة التي كرّسها أوباما في بداية ولايته الأولى.
وإجمالا لما تمّ تفصيله في تشخيص أعراض العلّة الفرنسيّة المزمنة، يجوز القول إنّ الاختلاف في التعامل مع طارق رمضان بالإقبال عليه تارة والإعراض تارة أخرى، دليل على خلل إجرائيّ يتجاوزه شخصيّا. فالإشكال على صلة بمدى استعداد الآخر للاستماع إليه ضمن حوار عقلانيّ لا مكان فيه للإقصاء والشيطنة. فليس الرجل فاتحا ولا غازيا، ولا معاديا للغرب، بل صاحبَ علم وفلسفة، وداعيةَ سلم وتعايش، وسفيرا بالكلمة الطيّبة والنوايا الحسنة. وتلك الخصال لن يُنظرَ إليها في الأوساط السياسيّة والإعلاميّة بفرنسا، مادامت متمسّكةً بمواقفها الدغمائيّة سواء تعلّقت بطارق رمضان أو بجملة القضايا الشائكة التي تتصل بالهويّة والهجرة، حيث يحتدّ التنافس بين الأحزاب الفرنسيّة في التهجّم على مسلمي فرنسا أو الدفاع عنهم، خاصّة عندما تقترب المواعيد الانتخابيّة، إذْ يرتبط الفوز كما الخسارة بمدى قدرة المترشّحين على تخويف الفرنسيّين من المسلمين الذين يُتّهمون عادة بالعجز عن الاندماج في النسيج الاجتماعيّ، وتهديد علمانيّة الدولة وقيمها الحداثيّة. وذلك الضجر والهيجان، فرنسيّ الصناعة والترويج في سوق سوداء يديرها السياسيّون الفاشلون والمثــقّـــفون المزيّفون.
* كاتب تونسي.

Leave Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *