Main menu
Second Menu

الإسلام دين التوازن

نرى في غالب الأحيان العديد من الناس في محيطنا ، يعيشون حياتهم و يحاولون أن يتجاهلوا مشاعرهم ومتاعب يومهم بطريقة سيئة …فأعباء العمل والمسؤوليات العائلية أصبحت تشكل ضغطا هائلا على كل واحد منا، وتجعل المرء يفكر بطريقة تخفف عنه ذلك ، وتقضي على الملل والتعب الذي يتسلل الى حياته ، وكلٌ يحاول أن يتسلى لينسى همومه ويعيش حياة أكثر بساطة .
لكن السؤال هو : هل يمكن للمسلم أن يعيش حياته بكل عفوية دون أن يشعر بالذنب ؟ هل لك الحق بأن تتسلى ؟ أن تضحك ؟ أن تستمتع بنعمة الجمال؟ أن تشعر بحلاوة الحياة ورونقها ؟ …حين تستمع إلى الدروس والمحاضرات فإنك لا تسمع سوى عن المحرمات والمثالية ”أن الضحك يميت القلب” ، فهل المسلم مطالب أن يلتزم بالجدية دائما ليصون كرامته، وأن يكون لديه ذلك الشعور الغامض بالذنب ليكون تقيا؟؟
أحيانا تسأل نفسك إن كان الرسول بسيطا في حياته؟ هل كان يمزح؟ هل كان يعيش إنسانيته وسط خضم الحياة؟ هل كان يشارك مرح المحيطين به ؟ هل كان يتفهم ويتقبل طبائع الآخرين ؟ هل كان يرتاح لرؤية ابتسامتهم؟ هل كان يمدح كل ما هو جميل ويشرح النفس؟…كيف يمكن أن لا يقولوا لك شيئا مُهما كهذا؟ كيف يمكن لوسواس الحدود والمحرمات أن يخفي عنا الحياة الطيبة ليقتل السعادة فينا ؟ وكأنه لتكون مؤمنا تقيا يجب أن تكون تعيسا عبوسا ، فتحافظ على مظهر التقوى المزيف أمام الآخرين و تخون نفسك وأنت وحدك .
(لا تنس نصيبك من الحياة الدنيا ) لقد أنزلت هذه الآية على النبي – ص- ففهم معناها وطبقها في حياته : كان يداعب أهله ويمزح معهم ، كان يرفه عن نفسه ويحتفل مع صحابته، كان يحب الجمال والحكمة والشعر، كان زوجا ودودا ورفيقا طيبا لأصحابه ، فقد كان يحترم مشاعر وأذواق مختلف الشعوب التي قدمت إلى المدينة من أجل صحبته والقرب منه ، كان يتفهم الطبيعة البشرية ، وعلم أصحابه أنه من الأفضل أن يتحلى المسلم بالبساطة ويتسلى دون أن يفقد كرامته كإنسان، فليس من التقوى أن تقتل إنسانيتك. نذكر على سبيل المثال الصحابي حنظلة الذي كان يذكر بأنه يكاد يرى الجنة والنار حين يكون بصحبة النبي- ص-، وبمجرد خروجه من المسجد ومزاولة حياته يشعر بأنه مأخوذ بالدنيا وقد فقد تلك المشاعر ، كان خائفا أن يكون هذا دليلا على نفاقه وعدم صحة إيمانه، فأسر به إلى النبي- ص- ، لكنه صلوات ربي عليه طمأنه ،فلا يوجد هنا أي دليل على نفاقه وما هي إلا تجليات لإنسانيته . منحنا الله وقتا للصلاة ووقتا لنرتاح وأمرنا بذكره في قلبنا في كل وقت ؛ لكن النسيان حقيقة إنسانية والصلاة تذكر المسلم بربه وتصله به، لتوازن بين حبه للالتزام و ظروف الحياة اليومية التي يعيشها. بينما يبقى السؤال المطروح عن الساعة الأخرى : كيف تدير ساعة استراحة جسدك وروحك وقلبك ؟؟؟
واقعنا الحالي ومجتمع اليوم تبدو فيه الأمور جد مختلطة على المسلم الذي ينشد الشفافية في حياته والحفاظ على كرامته، كأنه لتتسلى أفضل عليك أن تفقد إنسانيتك وتطلق الحيوان الذي يسكن بداخلك، فالوسائل والطرق التي نتسلى بها في وقتنا الراهن تجعلك تهرب من الواقع ، فتُفقدك صوابك وتنسيك حدودك، و أحيانا تحلل لك الحرام، وتعيش بها تخديرا مفترضا ومؤقتا؛ كما أن الفن المعاصر يدعو إلى الانفصام في الشخصية وفوضى الأفكار أكثر منه إلى الانسجام و الهدوء. “أنا فقط أتسلى لأنسى “تبرر نفسك بهذا لتسمح لتلك الموجة العاتية أن تأخذك ، و حين ينتهي الأمر وتعود لتراجع نفسك تدرك أن الأمر مجرد وهم ، وأنك سُرقت من نفسك بشكل قاس … هناك الكثير من الصخب ، الكثير من الجنون ، تنتج سنويا عشرات الأفلام و الأغاني لإمتاعك وتسليتك ، لكنها بالمقابل تنقص من ذكاءك وتدهس كرامتك وتسلبك إنسانيتك…تُفقدك ذاتك بصريح العبارة …ربما أنت تنسى متاعبك لكنك بالمقابل تنسى نفسك حقا… هذه الحرية الوهمية هي أسوء سجن تضع نفسك فيه؛ ربما يمثل هذا أكبر التحديات في حياتك اليومية في مجتمع أضحى مليئا بالملهيات و رهينا بالاستهلاك؛ جهادك الحقيقي يتمثل في التحكم في وقت فراغك واختيار ما تستمتع به، وفي ضبط ما تشاهد من برامج تلفزيونية . حين تظل واعيا بتصرفاتك ستحافظ على إيمانك ، حين يناديك الجميع إلى حياة الاستهتار والمجون تذكر تعاليم دينك ؛ فديننا السمح يعطيك الحق بأن تستريح لتهدأ نفسيتك ، أن تمارس اللعبة التي تخلق فيك الانسجام، أن تسمع الموسيقى التي تشرح الروح ، وتستمتع بالجمال الذي يهذب ذوقك …. سيحيطك الله بحبه ويمنح لك راحة البال حين تتعلم كيف تستريح وتعيش نعمة الحياة دون أن تهين كرامتك أو دينك ، وستلاحظ بين صلواتك وتأملاتك علامات على صدقك وتقواك… اعتن بوقتك الذي يمضي ، اعتن بوقت فراغك ….اعتن بنفسك.
من كتاب : entre l’homme et son cœur
للكاتب البروفسور: طارق رمضان
الترجمة : ليلى يوسف وينتن

1 commentaire “الإسلام دين التوازن”

  1. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    شكرا جزيلا على هذه المعاني الجميلة والبسيطة والدقيقة، نعم حياة التزمّت ليست بحياة، يبقى الأفضل أن يضفي المؤمن شيئا من التوازن على حياته ضمن المشروع.
    شكرا الأخت ليلى وينتن على هذه الترجمة السليمة والجميلة، أود التواصل بك، أنا مهتمة كثيرا بمجال الترجمة خاصة بين الانجليزية والعربية.
    هنا صفحتي:
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100007079341840
    شكرا

Leave Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

X