إنكار الجذور الإسلامية في الثقافة الغربية

منذ قرون، كان إنكار الجذور الإسلامية يسير جنبا إلى جنب مع بناء إيديولوجي للإسلام يقدم ك  » دين الآخرين ». ويبدو أن أوروبا فعلت كل شيء لإنكار هذا الجزء من إرثها من أجل بناء نفسها دينيا وثقافيا، وتحقيق الوحدة، بتميزها عن الإسلام الذي قاموا بتأصيله من خلال مواصفات ساخرة ومغلوطة.فخلال قرون، أصبح من الحقيقة البديهية بلا منازع أن للإسلام  » مشكلة » حقيقية مع العقل، والعلوم، والفنون، والتعددية، وفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية. لقد كانوا يؤكدون هذه الأمور وأضدادها، لكن بالإبقاء على هذا التميز عن الآخر دائما. ففي عهد تيار التطهيرية ( أو البيوريتانية وهي تيار ديني مسيحي) الكاثوليكية ثم البروتستانية بعد ذلك، كان ينظر إلى الإسلام كدين إباحي شهواني، و اليوم، في عهد التحرر الجنسي، الإسلام نفسه ينظر إليه عكس ما أتينا على ذكره ؛ فهو عالم الممنوعات والقيود والحجب والإحباطات. في كلتي الحالتين، ينظر إليه كدين الآخر المختلف.
كان لهذا التمثل الإيديولوجي للإسلام- الذي يعد من أهم محركات تيار الاستشراق في القرن التاسع عشر- أثر بالغ الأهمية. وهو ما زلنا نلاحظه في الخطابات التي نسمعها داخل المجتمعات الغربية المنفتحة والمتنوعة دينيا، وثقافيا، وعلميا، وفلسفيا، وفنيا، لكنهم بإنكارهم وتجاهلهم تاريخهم الغني، يسمحون بالاستنتاجات المبسطة والخطيرة عن إسلام متخيل، يقولون عنه إنه ينقصه التفكير العقلاني، وتحظر فيه العلوم والفنون، ويفرض فيه إيمان يأخذ طابعا متعصبا وتوسعيا.
إن دراسة علمية لهذا التاريخ ستثبت أن هذه الأمور ليست مغلوطة. ولذا، سيكون من الجيد أن تدرج المدارس الغربية -في برامجها التعليمية- الإسهامات الكبرى التي قدمها المسلمون لمختلف حضارات العالم، إذا كنا نريد صدقا القيام بتحيين المعارف وتصحيح التصورات.

يتبع…

طارق رمضان – عبقرية الإسلام : مدخل إلى الأسس والروحانية والتاريخ.
Le génie de l’islam – Initiation à ses fondements, sa spiritualité et son histoire, Tariq Ramadan, Presses du Châtelet, 2016.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا