Main menu
Second Menu

المقاصد و الوسائل

المقاصد و الوسائل
كتبها: مصطفى علي حسون
أستاذ جامعي

يعتبر التمييز بين المقاصد والوسائل من أهم القضايا المنهجية التي تعين على امتلاك الحس الشرعي العملي الذي يستطيع به المسلم أن ينتفع بالقرآن والسنة، فيضع الأمور في مواضعها بدون مبالغة ولا تفريط.
والمقاصد هي المصالح الكلّية التي أراد الله أن تتحقق في حياة البشر بما شرع وأخبر ونهى وأمر لتكون حياتهم طيبة. فالمصالح الكلية والمنافع العامة هي مقصود التشريع وهدف الشرائع، وتفاصيل الأحكام هي وسائل تحقيق المصالح وطرق الوصول إلى المنافع.
يقول الإمام القرافي في كتابه “الفروق”: “موارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل. غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها. والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل. وكلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع له في الحكم”.
ويقول الشيخ يوسف القرضاوي: “ومن أسباب الخلط والزلل في فهم السنة أن بعض الناس خلطوا بين المقاصد والأهداف الثابتة التي تسعى السنة إلى تحقيقها، وبين الوسائل الآنية والبيئية التي تعينها أحيانا للوصول إلى الهدف المنشود. فتراهم يركّزون كل التركيز على هذه الوسائل كأنها مقصودة لذاتها، مع أن الذي يتعمق في فهم السنة وأسرارها يتبين له أن المهم هو الهدف وهو الثابت والدائم ، والوسائل قد تتغير بتغير البيئة أو العصر أو العرف أو غير ذلك من المؤثرات”.

نضرب عدة أمثلة على تطبيق قاعدة المقاصد و الوسائل و مدى انتشار فهم النصوص بالفهم الوسائلي البعيد عن روح الإسلام:

المثال الأول:
قوله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم”
إن الوسائل قد تتغير من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى أخرى، بل هي لا بد متغيرة. فلو نص القرآن على وسيلة مناسبة لمكان معين وزمان معين فلا يعني ذلك أن نقف عندها ولا نفكر في غيرها من الوسائل المتطورة بتطور الزمان والمكان. فلم يفهم أحد أن المرابطة في وجه الأعداء لا تكون إلا بالخيل التي نص عليها القرآن . بل فهم كل من له عقل يعرف اللغة والشرع أن خيل العصر هي الدبابات والمدرعات ونحوها من أسلحة العصر.

المثال الثاني:
لبس القصير من الثياب: و قد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بلبس الثياب إلى نصف الساق، و أن ما تحته في النار. لكن لو تمعنا في الأمر لكان الواضح من تتمة حديث النبي صلى الله عليه و سلم، أن هذا الأمر كان لغاية عدم الكبر؛ لأن لبس الطويل من الثياب كان في زمن النبي صلى الله عليه و سلم للخيلاء.
أما لو لاحظنا هذه النقطة الآن، فلعل العكس هو ما يعطي معنى الكبر. فلعل في بعض البلدان لبس القصير من الثياب هو الذي أصبح لباس كبر.
و من الفهم الوسائلي لهذا الحديث، نجد البعض ممن يلتزمون بالفهم الظاهري للحديث فيلبسون القصير من الثياب, لكنه يقود أفخم السيارات و يتكبر بها على الناس و لعله يهين ذلك و يقبح الآخر، فهو بذلك يتبع الفهم الوسائلي لا المقاصدي.

المثال الثالث:
الطب النبوي: النبي صلى الله عليه و سلم كان قد أمر بأمور في التداوي اعتبرها البعض قواعد ثابتة و مازالوا يتداوون بها على أنها من حديث النبي صلى الله عليه وسلم, لكن الناظر لحقائق الأمور و غاياتها يفهم أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن سوى آمرا بالتداوي و استخدام أدوات و وسائل العصر في الطب الحديث.

المثال الرابع:
السواك: يفهم كثير من المسلمين اليوم سنة السواك على أنها مطلوبة لذاتها و تجدهم يتسارعون لشراء السواك و الاستواك به في كم ووقت حسب سنة النبي صلى الله عليه و سلم, و هذا من التمسك بالوسائل.
فلو حاولنا فهم مقصد النبي صلى الله عليه و سلم من الأمر باستخدام السواك، لكان من الواضح والجلي أن أمر النبي صلى الله عليه و سلم باستخدام السواك كان لتنظيف الأسنان في جميع الأوقات، لذلك كان من الأولى اتباع مقصد التشريع في هذه النقطة من تنظيف الأسنان بالوسائل المعاصرة كالفرشاة و معجون الأسنان، فالسواك كان الوسيلة المناسبة في عهد النبي صلى الله عليه و سلم.
و من الفهم الوسائلي للحديث تجد كثير من الشباب الذين يستخدمون السواك في كل وقت، و ملابسهم متسخة، و هو منافي لمقصد النبي صلى الله عليه و سلم بالنظافة و حسن الطيب. وهكذا.

Leave Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

X