النور والنفخة الإلهية

جاء في القرآن الكريم، فيما يخص مسألة الخلق، أن الله تعالى عندما خلق البشر، جمعهم وأشهدهم قائلا :  » ألست بربكم؟، فأجابوا قائلين : « بلى شهدنا » (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا). إذن كل نفس أودع الله تعالى فيها هذه النفخة الإلهية وهذا التطلع إلى السمو والبحث عن الروحانية. في هذا الصدد لم يَكُفّ المؤرخ والكاتب الروماني ميرسيا إلياد (Mircea Eliade)  في جميع إنتاجاته الأدبية بذكر هذا البعد الديني والروحي الذي يعتبر جُزْءاً لا يتجزأ من بنية الوعي البشري. نجد كذلك في الإسلام هذا التطلع الذي يحرك قلب كل إنسان، والذي يدفعه إلى البحث عن شيء سام وروحاني. وهو ما نسميه بالفطرة، وهي بمثابة تطلع متأصل في عمق كل إنسان إلى السمو الروحي. إذن في عمق كل إنسان، بل في أعماق أعماقه، نجد تلك الشرارة التي تسكن في دواخله وتدعوه إلى البحث عن السمو، وهو تطلع موجود فينا ونشعر به قبل أن نعي به. هذه الشرارة نسميها نورا، وهي التي تحرك البشر عبر الزمان، ويؤكدها التاريخ المقدس؛ هذا النور هو بمثابة وحي سبق نزول جميع أشكال الوحي عبر التاريخ.

يسكن هذا النور  كل فرد منا، ويزداد وهجه شيئا فشيئا، دون أن نكون واعين به تماما. لقد أنزل الله تعالى الوحي على رسله عبر التاريخ، ليلتقي بهذا النور الكامن في دواخل الإنسان ويقويه. وهكذا يلتقي النوران، نور الوحي المنزل جاء ليلتقي ويوقظ هذا النور القابع في القلوب. لقد شكل إسهام الفقيه الصوفي والملقب بحجة الإسلام أبو حامد الغزالي ثروة غنية سواء على المستوى العلمي أو الفكري أو الصوفي، حيث بدأ ببلورة تفكير عميق حول هذين النورين المتكاملين كما جاء في الآية القرآنية  » نُورٌ عَلَى نُورٍ » ، كما قام بذلك العديد من العلماء والصوفية.

إن نور الوحي جاء ليلتقي بنور القلب. فكل إنسان يقبع في داخله هذا النور الأصلي كما جاء في الإسلام، وكل إنسان مدعو إلى رعاية هذه البذرة الإيمانية حتى تكبر وتنمو، لنكون شهداء على وجود هذا النور في دواخلنا. إن هذه النظرة إلى الإنسان تتناقض بطبيعة الحال مع نظرة الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي(Albert Camus)  الذي يعتقد أن الإيمان ينبعث عندما يعجز العقل عن التفكير، فهو يتكلم عن  » القفز » (Saut). في الإسلام، يأتي العقل لتأكيد ما صرح به الإيمان وتمديده، إذن الأمر مختلف، عن نظرة كامي، فالإيمان هو الشرارة الأولى، والعقل يأتي لدعمه وتقويته. بعبارة أخرى، إذا قال باسكال :  » للقلب دوافع لا يستوعبها العقل « ، فالإسلام يقول عكس ذلك، ويغير اتجاه هذه القولة بتأكيد أن :  » للقلب دوافع سيُقِرّها العقل ». إذن النفخة الإلهية سبقت العقل، والعقل يقر بما أودعه الله تعالى في دواخلنا من خلال الوعي، وعن طريق الوسائل المتاحة، والتي وضعها الله تعالى رهن إشارتنا للوصول إلى معرفته تعالى.

د.طارق رمضان

من كتاب أضواء على قضايا الإسلام والمسلمين

1 تعليق

  1. الشيخ ابو الحسن هشام المحجوبي
    مراكش
    تحليل رائع للفطرة وعلاقتها بالوحي السماوي فهذا المقال تيسير واختصار لمباحت مطولة ومعقدة في كتب العلماء المتقدمين

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا